ابن جبل رضوى




في حياتنا نماذج كثيرة لرجال احبوا تراب الوطن , اخلصوا في العطاء ورحلوا عن الدنيا ولم نعلم عن  حياتهم  الخاصة التي ربما نتعلم منها كما تعلمنا من أعمالهم التي نعرفها
رضوان ثابت بن قريعط الفزي  الجهني ابن جبل رضوى  ينبع النخل ومسيرة ثمانية واربعون عام في خدمة الوطن لم يكل ولم يميل بل تفانى في أي عمل يقوم به حتى انه لم يأخذ أي إجازة ولم يترك الرياض طوال أربعون عام  .
أحببت ان اذكر حكايته من خلال احاديثه معي ربما كانت لها معنى ومغزى لم افهمها الا حين كبر بناتي لأحكي لهم واذكرهم بما حدثني به  لتكون ذكرى طيبة يتناقلها الاحفاد وليكون قدوة لهم في ما يحمله داخله من عصامية وحب للوطن

اتصل والد زوجي في مساء احد الأيام وقال : حضري نفسك والبنات سوف نذهب الى ينبع وخذي غيار أسبوع فهناك لا يوجد سوق تتبضعين منه ولم يعطني فرصة للنقاش او الرد , اقفل سماعة الهاتف  كعادته حين يصدر امر لا نقاش فيه  وانا في ذهول
اتى زوجي ومعه أكياس بها بعض الاكلات الخفيفة وعلب عصير لزوم الرحلة التي لا اعلم كيف ستكون وماذا افعل لو مرضت احد بناتي فأنا لا اعرف شيء عن هذه المدينة وأين نسكن حتى زوجي كانت مفاجئة له فهذه اول رحلة له الى مدينة ينبع رغم ان بعض من اعمامه وعماته يسكنون هناك الا انه لم يزرهم بل كانوا هم من يزورنا , كنت اعلم انهم يرجعون لقبيلة جهينة وان والده ولد في جبل رضوة وتربى في ينبع البحر لكن لم  يوماً ان اذهب الى هناك
وبدأت الرحلة انا وزوجي وبناتي في سيارتنا الجيب المرسيدس الأحمر وهو خاص للرحلات ووالده وزوجته الأخرى وكان تزوج بها حديثاً  واختها وابنتيها في سيارة أخرى يقودها فهد الجهني وهو السائق الخاص لهم وهو من اهل ينبع ويعرف طرقاتها واماكنها
وصلنا الى مدينة ينبع والفجر يؤذن واتجهنا الى فندق هوليدي ان القريب من البحر واستقر كل منا في جناحه الذي حجز له وقبل ان يدخل عمي الى غرفته التي بجوارنا التفت قائلا : الساعة العاشرة صباحاً ننتظركم في البهو لنبدأ الرحلة فنظرت تجاهه والتعب يملأ عيني : الى اين ؟
لم يرد بل ضج الممر بصوت ضحكته وهو يقول :ستشاهدين هناك عيدة خطيبة زوجك هي ابنة ابن اخي ... الى اللقاء.
لم انم تلك الليلة وانا افكر ما الذي يخطط له والى اين يأخذنا وزوجي يبتسم ولا يتكلم ولا يرد على اسالتي التي اوجهها له , ايضاً هو لأول مرة يذهب الى مسقط رأس ابيه ويرى الباقين من عائلته في القرية بعد ان رحل الكثير منها الى المدينة المنورة واخرون الى الرياض وجدة نلتقي بهم في المناسبات
وأخيرا نام صغاري وغفيت انا لنصحوا على جرس الهاتف . لبسنا سريعا واخذت بعض من البسكويت وقوارير مياه وعصير لبناتي فقد علمت ان المشوار طويل وبين الجبال لا يوجد الا البدو أصحاب المنطقة الذين يعيشون على الفطرة والروح الطيبة .

اخذنا استعداداتنا بعد ان ركب كل منا العربة تركنا منطقة ينبع البحر وعبرنا ينبع النخل وكانت عباره عن مزارع نخيل الى ان دخلنا مفرق يؤدي الى وسط الجبال .
الطرق وعرة وكثير التعرجات بشكل مرعب حينها شعرت بقلبي يكاد يخرج من بين اضلعي من الخوف وبناتي يصيحون فزع من الطريق ايضاً زوجي رغم تماسكه الا انه قال : ليت مشوارنا هذا يستحق التعب وابتسم لي يهون علي .
لماذا أراد والد زوجي اصطحابنا الى مسقط رأسه الا يكفي زوجته معه ولما لم يأخذ بناته وابنائه الاخرين هل هو تعذيب لي ام أراد ان اشاهد بعيني انه من أصول عريقة وانهم عزوة لبناتي .
جبل رضوى هو جزء من سلسلة جبال الحجاز عرف بارتفاعه الشاهق وحمرة لونه يراه اهل ينبع البحر واضحاً ماعدا وجود الغيوم المحملة بالمطر التي تحجبه حينها .
كان مقصدنا قرية ( تلعة نزا ) التي نزح منها الكثير طلبا لحياة الحضارة والعلم ومازال من فيها يعيش على الاحتطاب والرعي
ثلاثة ساعات مرت بين الجبال والطريق الغير معبد الى ان وصلنا الى اعلى المنطقة , كان هناك رجال على مدخل المكان يحملون السلاح وكأنهم جنود اوقفنا السيارتين فتح والد زوجي النافذة وهو يقول : السلام عليكم .
رد احدهم : وعليكم السلام ماذا تريدون والى اين ذاهبون ؟
رد والد زوجي : الى ابن اخي فهيد وانا رضوان ثابت الجهني
افسحوا لنا الطريق وهم يهللون مرحبين
ومشت السيارتين وامامنا مجموعة منهم الى ان وصلنا كانت هناك بعض البيوت وكأنها غرف مرصوصة وخيام وكأن عدنا الى حياة البداوة قبل خمسون عام
دخلنا نحن النساء الى احد الغرف التي بها نساؤهم رحبوا بنا ولكن بهم شيء من الارتياب فهم من عالم غير عالمنا واختلاف كامل في ملبسنا وفجأة دخل زوجي ومعه إناء به لبن وقدمه لي قائلاً : اشربي فهو طازج قد حلب الان .
صرخت : لا .. لا ارجوك لا اريد وكان من حولنا ينظرون الينا باستغراب ونطقت احداهن : اشربي يا بنتي فليس به وباء
همس زوجي : اشربي ولو قليل وإلا يعتبرونه قلة احترام لهم .
امري الى الله شربت اول رشفة وجدته لذيذ ونسيت في تلك اللحظة البسترة والتعقيم وشربت الباقي وانا اسأل الله ان لا يصيبني تسمم ورفض بناتي ان يشربوا منه .
تحدثنا نحن النسوة وتعارفنا واتفقنا على ان لا نقطع صلة الرحم التي بيننا وكنت استرق النظر الى فتاة جميلة اسمها عيده كان والد زوجي يمازحني دائما يقول : سوف ازوج فيصل الى بنت اخي عيدة وكانت تلك هي ولكن ارتحت حين قالت والدتها بأن زواجها قريب على احد بناء خالتها .
انتهت زيارتنا الى هنا ولكن هناك ما هو اكثر حيث اخذنا رجال العشيرة الى مكان لم أرى في حياتي مثله ولا حتى في التلفاز منطقة كغابة من الأشجار الغريبة وجبال بعيدة مجوفة كأنها كهوف من العصر الحجري.
اخذت بناتي الخائفات بعيداً اشتت فكرهم عما يحيط بهن وتركنا الرجال وهم يذبحون الخروف ويسلخونه ويقطعون لحمه وبعدها اوقدوا النار بالحطب الذي جمعوه من الأشجار ووضعوا فوقه احجار مسطحة حتى سخن وفرشوا عليه قطع اللحم وفي اثناء ذلك تبادلنا الحديث ولم افهم بعض من كلمهم فلهجة كل منطقة تختلف عن الأخرى , لم استطيع اكل اللحم ولا بناتي اللواتي فضلنا اكل البسكويت الذي كان معهن الى ان عدن الى فندقنا بينبع البحر وكانت رحلة لا تنسى لأناس عاشوا على الطبيعة وهم يبتسمون في طيبة ظاهرة .
وفي الفندق اجتمعنا انا وزوجي بوالده وزوجته ليعود بذكره خروجه من هناك .
وكيف ان والد زوجي خرج منهم بعد وفاة والده وكان عمره آن ذاك أربعة أعوام خوفاً من اخوته فهو من زوجة أخرى وأبناء اخوته في نفس عمره وربما يكبرونه , حينها اخذته امه الى بيت أهلها في ينبع البحر ليعيش بين اخواله من ال الحبيشي ولما اصبح في سن التعليم ادخلته الى المدرسة الاميريه  ليتعلم على يد العلامة الشيخ  حمد الجاسر رحمه الله الى ان اصبح في الثانية عشر من عمره توفت والدته ولم يعلم ماذا يفعل هل يصعد الى حيث اخوانه ام يشق طريقه ويعتمد على نفسه وماذا سيصبح ان استمر في العيش هنا ولقد كان لديه طموح بان يكون شيء في الحياة وداخله يخبره بذلك فعزم على الرحيل من ينبع الى جدة مع قافلة كانت في طريقها الى هناك .
وهنا تبدأ قصة كفاح صبي ينتقل من حياة البداوة الى حياة الحضر, ترك رضوان القافلة التي كان معها في مقهى خارج مدينة جدة  حيث امن منامته واكله مقابل ان يعمل بها كانت تلك القهوة يلتقي  بها الكثير من اهل البلد هرباً من حرارة المنازل
ومن هناك تعرف على بعض من يعمل في ميناء جدة حينها كان قد نضج فكره واخذ من علوم الرجال الشيء الذى طور طموحه وحلمه بأن يكون صاحب شأن .
 احد رجال الاعمال الذي اعجب بفصاحته وحسن خلقه وحين علم انه يجيد القرأة والكتابة طلب منه العمل لديه وقد كان من الذين يعملون في ميناء جدة وكان حينها قد بلغ الثامنة عشر من عمره وهناك اوكل اليه مراقبة عمال الجمارك وتقيد أسماءهم ولم يستمر هناك فشمس جدة الحارقة لم تناسبه وفي اول فرصة متاحة له ذهب الى مكة ومنها الى الطائف واصبح يتنقل بين مهن كثيرة خلال فترات يبحث فيها عما يناسبه الى ان التقى بتاجر ورجل اعمال من أصول لبنانية يعيش في مدينة الرياض اعجب به هذا الرجل لرجاحة عقله وسرعة بديهيته وقرر ان يعلمه صنعة وهي عالم الكهرباء والإلكترونيات حيث كانت صنعة نادرة لا يتقنها الا القليل .
فرح رضوان بهذه الحرفة ورحل مع الرجل الى الرياض الذي اكرمه في قصره واتخذه كابن له رغم ان لديه أبناء وبدأ في تعليمه تصليح الراديو ومكائن عرض الأفلام والمسجلات وبدأ في عمله الجديد بكل حماس ونشاط واصبح متميز واسمه مشهور يأتي اليه الكثير الى ان ذاع صيته في المجتمع واوحي اليه البعض في التقديم للعمل في مؤسسة الاتصالات ككاتب   برقيات وكان تدريبه على يد المعلم (طه عبيسي ) وتحت إدارة الأستاذ محسون حسين وكان مسمى وظيفته "مقيد سلكي برقيات " ايضاً ابهر الجميع في سرعة تعلمه الصنعة الى ان عين مديرا لمدرسة الا سلكي في مدينة الرياض عام 1377 هـ وبدأ في ذلك الوقت كان اللاسلكي هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع الملاحة في المطار فلم يكن هناك سوى فريق مكون كابتن الطائرة ومساعده ومأمور اللاسلكي الذي يتواصل والتبليغ بموعد نزول وصعود الركاب ومنها تدرجت وظيفته ليعين مديرا للاسلكي للطيران في المطار وهكذا تدرج في الوظائف الى ان اصبح مدير عام لمطار الرياض الذي كان في بداياته عبارة عن عدد من الخيام احدها لانتظار الركاب والأخرى مكتب التشغيل الذي منه اهم عنصر وهو جهاز اللاسلكي اما الطائرات فكانت صغيرة الحجم احدها اهداء من الرئيس الأمريكي روزفلت للملك عبدالعزيز رحمه الله واربع طائرات تملكها شركة أرامكو وبعدها أتت طائرات السكاي ماستر ذات الأربعة محركات 
وفي عهد الملك فيصل طيب الله ثراه بدأ البناء في مطار الرياض واصبح مباني حجرية وصالات كبيرة وكثر عدد الموظفين حينها اصبح مطار دولي تاتي اليه الطائرات العالمية ومازال الشيخ رضوان في منصبه الذي حين طرح عليه سؤال عن وصوله لهذا المصب وماهي الشهادة الي حصل عليها رد قائلاً : احترام المسئولين واحترامهم وهناك شهادة اعتز بها وافخر وهي اكبر شهادة تلقيتها وهي رد الملك فيصل طيب الله ثراه للسائل : انا شهادته وكان هذا حين تقدم لوظيفة مدير مطار فكانت اكبر واعلى الشهادات كما قال وبهذا  دخل المسابقة وكله يقين بكرم رب العالمين ليكون الحظ حليفه حيث نجح بتفوق بهذا الاختبار
وكان حينها متزوج ولديه ثلاثة من الأبناء محمد واحمد وفيصل وابنتان منى وحنان  واستقر في منزل ولكن لم يترك الرجل الكريم الذي سانده كثيراً وبقي في عمله الحكومي إدارة المطار و في ارسال البرقيات ومساء في تصليح الأجهزة الكهربائية  وحياته الاسرية التي كان لها الأثر الكبير في حياته وحبه لهم كانت  له دافع اكبر في ان يصبح ذو شأن ويعلم ابناءه احسن تعليم وافضل نشأة مما كانت حياته.

وكبر رضوان ثابت وكبر مع المطار الذي كان يقول عنه انه احد أبنائه اعطى له من الجهد والاهتمام وتنمية المشاريع الى ان اصبح من اشهر مطارات المملكة الدولية ولم يكن يرتاح لمكوثه داخل مكتبه بل تراه في ساحات المطار يرى بنفسه العمل ويشرف على العاملين ليعود اخر النهار الى منزله الذي كان أيضا داخل المطار ليهتم بعائلته ويتفقد احوالهم ودراستهم .
بابه مفتوح لكل من يحتاج مساعدة معنوية او مادية فلا يرد طالب ولو قصر من راتبه فدائماً يقول عائلتي لديها مأكلها ومنامها وملبسها الذي يكفيها ولكن السائل لم يذل نفسه بالسؤال الا لحاجته .
اكتسب محبة الكثير وصداقتهم ولكن داخل نطاق عمله فلم يقبل الدعوات الخاصة ولم يخلط العمل بالصداقات ، اختار أصدقائه ممن حوله وهم قليل ممن يرتاح قلبه معهم بعيد عن العمل ، لم يأخذ إجازة طوال الاربعون عام التي تولى فيها منصبه كمدير عام لمطار الرياض الا في زيارت قصيرة يأتي الى جدة لزيارة ابنه فيصل الذي تزوج وعاش بجدة مع اطفاله .
واكتمل بناء مطار الملك خالد في الرياض وحضر الافتتاح وتم اعطاءه السكن هناك ولكن مع كبر المطار الجديد والتوسعة التي تمت به كان رضوان ثابت قد تم سنة التقاعد واعطيت له مرتبة وزير وهي المرتبة الخامس عشر ولكن كان يشعر انه مازال في استطاعته العمل فتوجه لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ال سعود وطلب منه عمل اخر وعرض عليه ان يتولى منصب مستشار في الطيران المدني ولم يكن في ذلك الوقت مسمى لهذه الوظيف الا ان من محبة صاحب السمو للشيخ رضوان ورؤيته الثاقبة لإخلاص هذا الرجل في السنوات التي تولى فيها إدارة المطار قام بوضع بند مسمى لوظيفة مستشار الطيران المدني رغم اعتراض الكثيرين بعدم حاجتهم لمستشار فكل يدير عمله .
عمل الشيخ رضوان على مدار عامين في الطيران المدني كمستشار وكان خلالها قد تزوج بوالدة أبنائه يوسف وياسمين ،مريم وديما ولكن حصل امر الله بمرضة كانت فاجعة لأهله وأصدقائه بجلطة اصابته دخل على اثرها الى المشفى ومكث شهور لا يعي من الدنيا شيء الى ان امر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بسفره الى المانيا فهناك يوجد متخصصين في علاج مثل هذه الحالات ونقل بطائرة خاصة الى مدينة فرايبرغ الالمانية حيث قام كبار الأطباء على علاجه الى ان افاق من غيبوبته وبدأ في تحريك جسده والنطق ببعض الكلمات وبعدها بدأ العلاج التدريبي عام كامل ليعود الى بلده لإكمال العلاجات  الطبيعية من منزله في جدة وحول زوجاته وابناءه واحفاده ولا انسى ابتسامة الرضى على مصابه التي كان يمدنا بها بعزيمة وقوة شخصية يمتلكها هذا الرجل الذي انهى حياته بنصف مشلول وقلب نظيف راضي الى ان توفاه الله ليبقى في ذاكرتنا رجل كافح وجاهد ليكون قدوة نقتدي بها فلا شيء يأتينا سهلاً ان لم نكن نعمل عليه
رحم الله الشيخ رضوان ثابت وجعل ما قام به للوطن ولعائلته في ميزان حسناته
تلقى الكثير من رسائل الشكر والدروع والاوسمة من ملوك ورؤساء العالم ورغم هذا لم يدخله في دائرة الكبر بل كان يتعامل مع الجميع بتواضع ومحبة
        


تعليقات

  1. جميل جداً الاثراء الله يعطيك العافيه
    الله يرحمه ويغفرله ويجعله في نعيم الجنه مع من يحب

    ردحذف
  2. رحم الله العم رضوان عرفته منذ صغري بالكرم ولين الجانب ورحم الله ابنه فيصل صاحب القلب الطيب والابتسامة التي لا تفارق محياه

    ردحذف
  3. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  4. والشكر موصول للكاتبة الرائعة على الأسلوب الأدبي الأكثر من الرائع.

    ردحذف
  5. الله يرحمه ويغفر له ويرحم روحه الطيبه اللي كان يستقبلنا فيها الله يجمعنا به في جنات النعيم.كان مثال في التواضع والكرم

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقايا انسان

حبك ازلي